انتقل إلى المحتوى

02الثقافة والحداثةمقالة تحريرية

تحديث من دون محاكاة

تقدّم النماذج الدولية معرفة مفيدة، لكن قيمتها تتوقّف على مدى استجابتها للظروف التي تُطبَّق فيها. والتحدّي هو تنمية القدرة على التمييز بين ما ينبغي تبنّيه، وما ينبغي تكييفه، وما ينبغي مساءلته، وما ينبغي تركه.

Byline
مؤسسة المجتمع السوري — هيئة التحرير
Reading time
4 دقائق قراءة

منظور تحريري أوّلي صادر عن المبادرة، وليس خلاصة لبحث مكتمل.

ناعورة خشبية واحدة على نهر العاصي في حماة، وخلفها أشجار ومبانٍ.
ناعورة على العاصي في حماة. آلة شكّلها نهرها وموادها والناس الذين صانوها. تصوير: Bernard Gagnon، CC BY-SA 3.0، عبر ويكيميديا كومنز. المصدر · الترخيص

تجلب مراحل إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي معها عادةً حلولاً جاهزة. يأتي المستشارون بأُطُرهم، والمستثمرون بصيغهم، والمنصّات بنماذج أعمالها، وبرامج المساعدة بقوالب نجحت في أماكن أخرى. بعض هذه الحلول سيكون قيّماً. لكن المشكلة أن وصولها كثيراً ما يسبق أيّ نقاش جادّ حول المشكلة التي يُفترض أن تحلّها هنا.

لماذا تُغري المحاكاة

للمحاكاة جاذبيتها لأسباب مفهومة: فهي تقلّل المخاطرة، وتقدّم معياراً مألوفاً، وتتيح لأصحاب القرار الاستناد إلى سابقة. وحين تكون المؤسسات ضعيفة أو الثقة منخفضة، قد يبدو النموذج المستعار أكثر أماناً من نموذج محلي لم يُجرَّب.

لكن النموذج ليس شكله الظاهر فحسب. فمشروع الإسكان يفترض أحجاماً معيّنة للأسر، وأنماطاً من الملكية، وطرقاً في استخدام المكان. وصيغة البيع بالتجزئة تفترض مستويات دخل وسلاسل توريد وعادات تسوّق بعينها. وحين لا تصحّ هذه الافتراضات، قد يُنفَّذ النموذج ويفشل بصمت: مبانٍ يغيّرها سكانها فور انتقالهم إليها، وخدمات لا يقدر على كلفتها إلا القليلون، ومنتجات تحلّ مشكلات لم تكن قائمة أصلاً.

كفاءة من نوع آخر

البديل ليس رفض المعرفة الآتية من الخارج، بل بناء القدرة على الحكم عليها. وتنطوي هذه الكفاءة على عادات عملية قليلة:

  • السؤال عن الظروف التي أنجحت النموذج في موطنه، وعمّا إذا كانت هذه الظروف متوافرة هنا.
  • الفصل بين المبدأ الذي يجسّده النموذج والشكل الذي اتّخذه في سياقه الأصلي.
  • التجريب على نطاق صغير قبل الالتزام على نطاق واسع.
  • إشراك من سيعيشون مع القرار في تقييمه، لا في تلقّيه فقط.

لا تختصّ أيٌّ من هذه العادات بسوريا. ما يختصّ بها هو المادة التي ستُفحَص: المعرفة المحلية في البناء، والترتيبات الاقتصادية غير الرسمية، والمشاريع العائلية، وأنماط الضيافة والتكافل، والفروق الإقليمية في المناخ والمواد.

الخطر في الجهة الأخرى

من السهل أن تتحوّل هذه الحجّة إلى دفاع عن كل ما هو محلي، وهذا اختزال من نوع آخر. فبعض الممارسات القائمة غير فعّال، أو إقصائي، أو لم يعد مرغوباً فيه ببساطة. والأصل المحلي لا يجعل فكرةً حكيمة، كما أن الأصل الأجنبي لا يجعلها متقدّمة.

الغاية معيار أكثر صرامة للطرفين: أن تستطيع الممارسة الموروثة أن تبيّن ما تُحسنه، وأن يستطيع النموذج المستورد أن يُثبت أنه يستجيب للمكان الذي يُطبَّق فيه.

ما الذي يُستورَد فعلاً؟

حين يتبنّى مجتمع نموذجاً من مكان آخر، نادراً ما يستورد تقنية فحسب؛ إنه يستورد مجموعة من الافتراضات: عن أسعار الطاقة والصيانة ومستوى التعليم وحجم الأسرة وعلاقة المواطن بالمؤسسة، وعن الوقت المتاح للناس ومقدار الثقة التي يمنحونها. وقد ينجح نمط بناء أو منهاج دراسي أو تطبيق دفع حيث تصحّ هذه الافتراضات، ويفشل بصمت حيث لا تصحّ.

لذا فالسؤال الأجدى ليس «محلي أم أجنبي؟» بل «على أيّ افتراضات يقوم هذا النموذج، وهل هي صحيحة هنا؟». ويمكن طرح السؤال نفسه على الممارسات الموروثة؛ فالتقليد أيضاً يقوم على افتراضات ربما لم تعد قائمة.

الحكم بوصفه منفعة عامة

ليس الحكم على النفع فعلاً تقنياً خالصاً؛ إنه يتضمّن تقرير حاجات مَن تُحتسب، وعلى أيّ مدى زمني، ومَن يتحمّل الكلفة حين تفشل التجربة. وفي مراحل إعادة الإعمار كثيراً ما تُتّخذ هذه القرارات بسرعة، وبيد عدد قليل من الناس، وتحت ضغط مالي وسياسي. وأطروحة العمل هنا: إن القدرة على الحكم، لا أيّ نموذج بعينه، هي أكثر ما يحتاج المجتمع إلى تنميته وحمايته، وهي تعتمد على المعلومات والنقاش المفتوح ومؤسسات قادرة على الاعتراف بالخطأ.

حدود هذه الحجّة

قد توحي المقابلة بين المحاكاة والحكم بأن الخيار متاح دائماً، وكثيراً ما لا يكون كذلك: فالديون والعقوبات وشروط المانحين والحاجة العاجلة تقيّد ما يمكن اختياره. لا تحلّ هذه المقالة ذلك التوتّر، بل تقول فقط إن الخيارات المقيّدة نفسها تُتّخذ على نحو أفضل حين يتّضح ما الذي يُتبنّى ولماذا.

سؤال مفتوح

لا تعرض هذه المقالة نتائج بحثية، بل تطرح سؤالاً تنوي المبادرة متابعته: ما الذي يلزم كي تنطلق القرارات المتعلّقة ببنية سوريا التحتية وأعمالها ومؤسساتها وفضاءاتها العامة من فهمٍ للطريقة التي يعيش بها الناس فعلاً؟ من المرجّح أن تختلف الإجابة بحسب القطاع والمنطقة، ونتوقّع أن نراجع صياغتنا نحن أيضاً كلما تعلّمنا أكثر.

الوسوم: التحديث، المؤسسات، التكيّف